ما الذي ينتظره الإمام المهدي (عليه السلام) من شيعته([1])
اعوذ بالله السميع العليم من الشيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا ان هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق
والصلاة والسلام على حبيبه محمد المصطفى وآله الطيبين الطاهرين
يثار سؤال عبر الاجيال انه ما السبب في تأخير ظهور الامام (عليه السلام) ليملأ الارض قسطا وعدلا خصوصاً وأنه (عليه السلام) ينتظر اكثر من اي مخلوق غيره للاذن بالظهور لينقذ البشرية من الحيرة والضلالة والتخبط وعبادة الطواغيت، يخلصهم من الظلم والاضطهاد والحرمان واذا كان كل فرد يحسّ في وجدانه بمقدار من الغضب والرفض للظلم والحماس للتغيير فان قلب الامام (عليه السلام) يختزن مجموع هذه الاحساسات المنتشرة في قلوب البشر كلهم لانه شعور محمود وايجابي ، وفي عقيدتنا ان الصفات الايجابية للبشر كالعلم والرحمة والكرم تجتمع كلها وازيد منها عند إمام العصر المعصوم ، فلماذا هذا الانتظار.
كنا نجيب بان من شروط الظهور ان يعود الناس الى الاسلام ويطبقوه في حياتهم وتحصل لهم القناعة بفشل كل الانظمة الأرضية وانحصار طريق السعادة والكمال بتطبيق الشريعة الإلهية خصوصاً في العراق عاصمة الامام (عليه السلام) ومنطلق حركته المباركة، وها قد حصل هذا واعترف العالم كله بان الاسلام وعلماء الدين هم المحركون للشارع العراقي، واصبح حتى العلماني والملحد يزور مراجع الدين ويستشيرهم ويتجنب إثارتهم واستفزازهم فهذه المرحلة قد تحققت ظاهراً على الاقل .
ثم دخلنا في مرحلة جديدة من التربية والامتحان وقلنا ان الامام (عليه السلام) يريد من ابناء الاسلام ان يصلوا درجة التضحية الكاملة في سبيل دينهم بحيث لا يتخلفون عن اي امر توجهه المرجعية باعتبارها القيادة النائبة للإمام المعصوم (عليه السلام) ولو كلفهم حياتهم ونضرب لهم مثلا بقصة ذلك الخراساني الذي طلب من الامام الصادق (عليه السلام) التحرك لازالة ظلم الطواغيت من امويين وعباسيين وأن له في خراسان وحدها مائة الف سيف فأجابه الامام (عليه السلام) كالمتعجب : مائة الف سيف؟ قال الخراساني: نعم، ومائتي الف سيف، فأمر الامام ان يُسجر التنور وطلب من الخراساني ان يلقي نفسه فرفض وهنا دخل ابو هارون المكفوف وهو احد اصحاب الامام (عليه السلام) فطلب منه الامام (عليه السلام) ذلك فاستجاب كالبـــــــــــــــــرق والقى نفسه في التنور المسجور وأخذ الامام يشاغل الخراساني بالحديث وهو مذهول لتصرف أبي هارون وقال له: كم لديك في خرسان مثل هذا ؟ قال: لا يوجد يا ابن رسول الله([2]) .وانا اجيب نيابة عنكم ايها الشباب المتحمس الغيور المملوء ايماناً الى أخمص قدميه وأيها الرجال الاشداء المستعدون لفعل ما قام به المؤمن الصادق ابو هارون انه يوجد يا ابن رسول الله الآلاف ممن يقرون عينيك حينما تطلب منهم بل انهم يستأنسون بالمنية دونك استئناس الطفل بمحالب أمّه وقد جرّبنا صبرهم وثباتهم وصدق ولائهم حينما صنع لهم الاخوان قبل الاعداء ناراً اجتماعية من التشويه والتسقيط والسب والاتهام والافتراء والكلام الجارح القاسي الذي يستفزّ حتى الجبال وهي اصعب من النار الطبيعية([3]) فصبروا وازدادوا إيماناً وتسليماًوما كان ردّهم الا ان قالوا: (سلاماً) التزاماً بالادب الالهي.
وهنا يعود السؤال من جديد اذن ما الذي ينتظره الامام (عليه السلام)؟
ونحن في الوقت الذي نحاول الاجابة على هذا السؤال ونبين ما ينتظره الإمام (عليه السلام) إنما نريد ان نعرف تكليفنا في هذه المرحلة والعمل الذي نؤديه من اجل التمهيد والاعداد لظهور الامام (عليه السلام) المبارك الميمون ولابد ان نلتفت الى أن ما قدمناه من وصول الامة الى المستويات التي ذكرناها لا يعني نهاية الامتحان وغلق ملف تلك المراحل من التربية فإن هذا الشعور هو اول بوادر الفشل والانهيار لانه يعني العجب والاعتداء بالنفس والمطلوب هو العمل الجاد للاحتفاظ بالنتائج الطيبة ومنع اي محاولة للتراجع والتردي والانحراف وفقدان مواقع الكمال التي وصلها المؤمن بلطف الله تبارك وتعالى والسعي الحثيث للتقدم.
ففي الروايات ان الإنسان يرى في الجنة مقامات عالية لم يصلها فيتمنى لو كانت له فيقال: ان هذه كانت لك عندما كنت ملتزماً بالطاعة الفلانية ـ كحفظ سورة معينة من القرآن الكريم ـ فلما ضيّعتها فقدت هذا المقام الرفيع وقد حذّرنا الائمة (عليهم السلام) من الشيطان والنفس الامارة بالسوء اللذين يبقيان يزيّنان المعصية ـ بمعناها الواسع الشامل لترك الطاعة ـ حتى تخرج الروح .. خصوصاً مع توسع وتفنن أدوات الإفساد والإضلال وأساليبهما .
فهذا مما يجب الالتفات إليه إان وصول الامة الى درجة من درجات الكمال لا يعفيها من مسؤولية المراقبة والعمل الجاد للإحتفاظ والسعي لما هو أكمل وقد قالوا في المسابقات الرياضية (إن الاحتفاظ بالقمة اصعب من الوصول اليها).
واعود الى الاجابة مرة أخرى واقول: ان الدرجة الجديدة من التربية هي مرحلة الوعي والبناء واعني بالبناء: بناء النفس والمجتمع وفق الشريعة الالهية فقد اثبتت المدة الماضية بعد سقوط صدام اللعين بما تضمنت من امتحانات فشل الامة في اجتيازها حيث ظهر الجهل والسذاجة والتعصب واتباع العاطفة والانفعالية في التصرفات وعدم الاهتداء الى القيادة الحقيقية بحيث ضاعت حتى اوضح المقاييس للتقييم كما ان إتاحة الفرصة لتسنّم الكثير من المواقع الدينية والاجتماعية والسياسية والادارية أظهرت الامراض المعنوية التي كانت كامنة في النفس ولم تظهر من قبل لا لأنها غير موجودة وان صاحبها قد تخلص منها بل لأن موضوعها لم يتحقق ولم توجد فرصة لابرازها فلما سنحت هذه الفرصة ظهر التحاسد والتباغض والانانية والاستئثار والاستكبار والتقاطع الى حد ارتكاب اعظم المعاصي التي وعد الله تبارك وتعالى فاعلها النار فصرنا نرى أئمة جمعات يسقطون في وحل الكذب والافتراء وتسقيط المؤمنين وتشويه سمعتهم . والاسلاميون الذين سعوا منذ عشرات السنين لكي يحكم الاسلام لما وصلوا الى المناصب لم نرّ للاسلام اثراً في عملهم ولم يجعلوا مناصبهم وسيلة لبسط العدل ومساعدة المحرومين ورفع الظلم والقضاء على الفساد بل وقعوا في الاخطاء نفسها ولم يكن لهم هم الاّ التشبث بالكراسي.
وتساقطت رموز كبيرة بسبب سوء التصرف وطاعة الهوى والغفلة عن الله تبارك وتعالى فابتليت الامة بتخبط وتلوّن واضطراب وكادت الفتن ان تط
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف |